سيد قطب

3269

في ظلال القرآن

هذا الشوط الأخير جولة جديدة في مجال القضية التي تعالجها السورة ؛ فسياقة قصة النفر من الجن الذين استمعوا لهذا القرآن ، فتنادوا بالإنصات ، واطمأنت قلوبهم إلى الإيمان ، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى اللّه ويبشرونهم بالغفران والنجاة ، ويحذرونهم الإعراض والضلال . سياقة الخبر في هذا المجال ، بهذه الصورة ، وتصوير مس القرآن لقلوب الجن هذا المس الذي يتمثل في قولهم : « أَنْصِتُوا » عندما طرق أسماعهم ، يتمثل فيما حكوه لقومهم عنه ، وفيما دعوهم إليه . كل هذا من شأنه أن يحرك قلوب البشر ، الذين جاء القرآن لهم في الأصل . وهو إيقاع مؤثر ولا شك ، يلفت هذه القلوب لفتة عنيفة عميقة . وفي الوقت ذاته تجيء الإشارة إلى الصلة بين كتاب موسى وهذا القرآن على لسان الجن ، فتعلن هذه الحقيقة التي يدركها الجن ويغفل عنها البشر . ولا يخفى ما في هذه اللفتة من إيحاء عميق متفق مع ما جاء في السورة . كذلك ما يرد في كلام الجن من الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح ، ودلالته على قدرة اللّه الظاهرة في خلق السماوات والأرض ، الشاهدة بقدرته على الإحياء والبعث . وهي القضية التي يجادل فيها البشر وبها يجحدون . وبمناسبة البعث يعرض مشهدا من مشاهد القيامة « وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ » . . وفي الختام تجيء الوصية للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالصبر عليهم وعدم الاستعجال لهم . وتركهم للأجل المرسوم . وهو قريب قريب كأنه ساعة من نهار . . للبلاغ . . قبل الهلاك ! « وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا : أَنْصِتُوا . فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا : يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ